إجماع على أهمية تثمين الدور الحضاري لمدينة دلّس

ديسمبر 16, 2022 | المكتبة في الإعلام

أظهرت مجمل المداخلات والمناقشات التي عرضها الأساتذة الباحثون في فعاليات الملتقى الوطني الموسوم “دلس، تاريخ مدينة وساكنة”، الذي احتضنه المركز الثقافي “محمد الشيخ”، أظهرت حجم التقصير والتهميش الذي طال هذه الحاضرة العريقة بسبب قلة الدراسات والأبحاث الأكاديمية على مستوى المعاهد المتخصصة بالجامعة، رغم الوزن الكبير الذي تمثله المدينة بإرثها الثقافي والتاريخي الذي يختزل عدة حضارات تركت بصماتها بالمدينة من الفينيقيين والرومان إلى عهد الموحدين والعثمانيين..

فتحت أشغال الملتقى الوطني، الذي بادر إليه مخبر التاريخ المحلي والذاكرة الجماعية والمقاربات الجديدة لجامعة البويرة، بالتنسيق مع المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية بومرداس، الباب واسعا أمام مختلف الباحثين المتخصصين وطلبة الدكتوراه المشاركين في الندوة، من أجل تقديم مساهمات ودراسات أكاديمية لتسليط الضوء على تاريخ ومكانة أحد أبرز الحظائر بالجزائر، ومنطقة المتوسط المثقلة بالأحداث والمآثر الزاخرة بموروث ثقافي لا مادي ظل طي النسيان، وشواهد مادية مهددة بالاندثار، دون أن تلقى التفاتة لحماية وتعظيم هذه المكانة التي تبوأتها المدينة، خاصة في فترة الموحدين إلى العهد العثماني، مرورا بمرحلة الاستقرار السياسي والازدهار التي عرفتها مع هجرة المورسكيين بعد سقوط الأندلس ومدينة غرناطة سنة 1492.
ولقد أجمع أغلب المتدخلين الذين شاركوا في تنشيط الندوة، ومنهم طلبة دكتوراه بمعهد التاريخ بجامعية البويرة، الجزائر-2، وادي سوف، تندوف وغيرها من جامعات الوطن، على أن الدراسات والأبحاث الأكاديمية لم ترق إلى مكانة وتاريخ هذه المدينة العريقة، بل وهناك تقصير واضح في استغلال وإثراء بعض الكتابات التاريخية التي كتبها رحالة معروفون خلال العصر الوسيط، كحسن الوزاني الفاسي سنة 1550، ومساهمات الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” سنة 1165 وغيرها من الشهادات التي قدمها مؤرخون ورحالة زاروا المنطقة، ووصفوا فترة الرخاء والازدهار الاقتصادي التي كان عليها سكان المدينة الذين ارتبطوا بالبحر والنشاط الفلاحي، إلى جانب حياة الترف الثقافي والفني.
وحاول الباحث ياسين بودريعة، من جامعة البويرة، تصحيح بعض الكتابات والمعلومات التي تناولها عدد من الدارسين، الذين أشاروا إلى “أن أول عقد إداري مكتوب خلال الفترة العثمانية، يعود إلى سنوات 1518 و1525”، لكن بحسب الباحث فإن أول عقد مكتوب بمحكمة دلس يعود لسنة 1508، أي قبل الدخول العثماني وهو عبارة عن “عقد هبة وبيع بحيرة” أصدرته المحاكم الشرعية، وهو دليل على مكانة المدينة سياسيا واقتصاديا خلال تلك الفترة، خصوصا مع بداية الفترة الحمادية ودخول معز الدولة بن صمادح قادما من ألميريا سنة 1068م الذي يرجع إليه الفضل في تأسيس حظيرة القصبة العريقة.
كما تطرقت مداخلات أخرى، إلى إسهامات علماء مدينة دلس في الحركة الفكرية لبلاد الزواوة ومنطقة المغرب الأوسط والشام. وهنا ركز الباحث محند اكلي ايت سوكي، من جامعة سطيف-2، على إسهامات العالمين سيدي امحمد السعدي الذي أسس زاوية “ميزرانة” والعالم محمد بن مبارك الدلسي الذي تعدت شهرته العلمية الآفاق، وكان من بين المؤسسين والمساهمين في النهضة العربية بسوريا.. وغيرهم من المفكرين الذين أسهموا بعلمهم ونضالهم في الحفاظ على هوية المجتمع، ومحاربة كل أشكال التشويه والطمس الممارس من قبل الاستعمار الفرنسي.
بالمقابل، حاول الباحث عبد العزيز مرابط إبراز مكانة قرية تيزغوين كحاضرة مرتبطة تاريخيا بمدينة دلس وإسهاماتها العلمية والثقافية، مشيرا “أن المنطقة كانت مشهورة بمجلسها العلمي المخصص للفتوى الشرعية، ومقصدا لسكان القرى المجاورة، كما اعتبرت بمثابة خزان للعلماء والأئمة أبرزهم الشيخ الطيب بن حميدة، وكلهم ساهموا في تأطير عدد من المساجد والزوايا المعروفة منها زاوية سيدي اعمر الشريف”.
لم يقتصر الدور الذي لعبته حاضرة دلس العريقة على الجانب الفكري والعلمي فقط، بل تعداه إلى إسهامات أخرى في المجالات الثقافية والرياضية، حيث قدمت المنطقة عدة أسماء لامعة في كرة القدم، منهم اللاعب عبد القادر زرار واللاعب عبد الرحمان إبرير، الذي لعب ضمن صفوف فريق جبهة التحرير الوطني في تونس.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنكم زيارتنا على المواقع التالية: